فكي تحت التمرين
#الفاكوك_فكاك_الكادوك
في موسم الدرت، بعدما يحصد المزارعين في القرى المتاخمة لكوستي محاصيلهم، تنتعش المدينة بعد شهور من الركود، وتبدأ تظهر في الأسواق بشاير الخيرات وتدخل البكاسي محملة بالذرة والعيش الأبيض والفتريت وطابت وود أحمد والقنقر والعنكوليب والبليلة العدسية واللوبيا والفول والسمسم وأنواع مختلفة من الحبوب.
مع كل هذا الخير ينتعش سوق آخر وهو سوق الأدوية الشعبية.. كثير من أهل الريف لا يقتنعون بالطبيب، ولا يأتون المستشفى إلا مضطرين.. يتجه الواحد منهم مباشرة للمعالجين الشعبيين.. طيلة فترة الزراعة يراكمون أمراض وأوجاع كثيرة: قطايع، فلايت، امراض الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والباطنية والعظام.. حتى إذا ملكوا ثمن المحصول هرعوا للمعالجين الشعبيين.
تلك الأيام في العام 2006 امتلك أخي “سامي جاب الدين” عربية ماركة (لادا) بيضاء.. ليشغلها تاكسي.. لكنها كانت قديمة وهكر وكل يوم واقفة.. وعملت لينا وجع ظهر من الدفر.. تمشي عشرة أمتار وتقيف… لكن الحمد لله وجدت اللادا مهنة شريفة الوقوف فيها أكثر من المشاوير… أحد بائعي الأعشاب والعلاجات الشعبية استأجر منه اللادا وأوقفها في السوق الشعبي وربط فيها مكرفون تنطلق منه الأصوات:
– وعندنا الحبة السودااااااااء.. حبة البركة شفاء من كل دااااااااااء.. تشفي أمراض المغص والاسهااااااال والامساك والبواسير وأمراض المستقيييييييييم.. وتنظف السموم وتعالج الحساسية والضغط.. وعشبة المورنجاااااااااا… علاج للسكري والسرطان والالتهاباااااااات..
كان سامي يجلس مع الفكي بالقرب من سيارته حتى احتاج أن يتحرك لمكان آخر يشغل السيارة… وبعد مدافرة… ينتقلون لركن آخر في السوق… كان الفكي أحياناً يدخل السوق الشعبي ليشتري أغراضه ويكلف سامي بالبيع.. طبعاً سامي ليس له علاقة بالعلاج بالاعشاب.. والعشب الوحيد الذي يعرفه (النجيلة) فقط.
ذات يوم ذهبتُ للسوق الشعبي.. وتفاجأت… وجدت سامي قد استولى على المشهد تماماً… يقف جنب العربية يبيع الاعشاب رسمي.. ويفرش عروق وجذور وأعشاب مختلفة وزيوت في فتايل صغيرة ويفاوض في زبون:
– ايوة زيت المحريب ده بس تمسح منه في جبهتك والصداع يختفي طوالي.. وزيت القرنفل ده نقطة واحدة في الضرس ويقتل السوسة في وقتها.. ولو عندك قطيعة تمسح من العلبة دي مرتين في اليوم.. وعندنا برضو (شربة) لنظافة البطن… لكن لو بديت فيها إلا تخت عنقريبك جنب الحمام وإبريقك يكون مليان.
سألت سامي:
– يا زول انت بقيت فكي رسمي وللا شنو؟!
ضحك وقال:
– الحاجات واضحة ومعروفة.. ببيع للشيخ ده بس دخل السوق يشتري تمباك وراجع طوالي.
من باب الفضول سألته من أكوام صغيرة لجذور وأعشاب:
– ده شنو؟
أجاب وهو يشير بعصا صغيرة اساساً تتبع للفكي:
– دي (سنمكة) للقبضات ووجع البطن
– والجنبها دي شنو؟
– دي سفوفة لسخانة البول.
– والقشور دي؟
– ده قشر الرمان للحزام الناري
– والبي جاي ده شنو؟
– ده الفاسوخ
– والجنبو؟
– ده الفاكوك فكاك الكادوك..
تركته وهو يقنع امرأة بشراء عشبة مجهولة لمرض لم أسمع به.. ونظرت لحركة السوق… الناس عايشة والحياة ماشة والرزق تلاقيط.
#مذكرات_زول_ساي
أسامة جاب الدين/ فكي سابق
Image: AI-generated.
