MarketplaceBuy & sell · Create an account

عِقاب الأجيال

مذكرات زول ساي | بقلم: أسامة جاب الدين

أضربتْ ابنتي الصغرى عن فطور المدرسة لأن (اللنش بوكس) ينقصه نوع مُعيّن من الجِبنة… ألقيتُ نظرة على صندوق طعامها الملون، كان مثالياً من وجهة نظري، بروتينات، ألياف، كربوهيدرات، خضروات مقطعة بزاوية 45 درجة، لدرجة أنني تمنيت أن أكون مكانها.

بعدها هاجمتني الذكريات، نحنُ في أوائل التسعينات في المدرسة، الساندويتش كان اسمه (حشوة)، نستلمها في كيس نايلون مخطط ماركة “الجيلاني” مع الالتزام بإرجاع الكيس معك نهاية اليوم حيّاً أو ميّتاً، كانت الشنطة المدرسية كيس “مخلاية” من قماش الدمورية الذي يُعاد تدويره في الإجازات إلى “كيس ضرع” ليُربط به ضرع الغنماية حتى لا يرضع العتود.

حاولتُ ممارسة دور الأب الواعظ فذكرتُ لها كيف شكوتُ إلى والدي سوء الأكل في الداخلية.. وليمحو إحساسي بالمعاناة، حكى لي قصته في الخلوة في ستينيات القرن الماضي.. كانت وجبة واحدة في اليوم، تحلّ محل الفطور والغداء والإسناك.. وهي عصيدة فتريتة ود عَكَر.. يتم عجنها وطبخها بنار الحطب في قدح عملاق.. كان كل تلميذ يهجم كالثيردباك ويقطع بيده نصيبه من العصيدة الملتهبة وهي لا تزال تتختخ في النار وبخارها يتلوى في السماء.. يحمل عصيدته ثم يغمسها في قدح كبير به ملاح لايوق ما..

المشكلة التي كانت تواجههم هي أنهم لا يملكون صحون ولا ملاعق، والعصيدة محدودة والجوع كافر.. وإذا لم يلحق وينال نصيبه سيجوع حتى اليوم التالي.. لجأوا إلى حيلة للتغلب على العصيدة الساخنة.. ابتكروا تكنولوجيا غريبة للتبريد.. كان التلميذ يدخل يده سريعاً في قدح العصيدة.. فيقتطع منها ويقذفها لتلتصق بحائط جالوص قريب.. يقف الجميع أمام الحائط وكأنهم في معرض تشكيلي للفنون الجميلة (مدرسة العصيدة التجريدية) .. كلٌّ يراقب لقمته حتى تبرد.. ثم يقتلعها من الحيطة مع بقية تراب وزبالة قديمة.. ثم يغمسها في قدح اللايوق المشترك.

قال والدي بجدّية تامة أن أحد تلاميذ الخلوة اقتطع لقمة عصيدة ضخمة ساخنها بخارها يتصاعد وقذفها كالمولوتوف، وبدلاً من الحائط استقرّت على رأس تلميذ آخر.. ومن شدّة سخونتها، سلخت جانب من فروة رأسه.. فخلّفت له صلعة جزئية.. حيث لم ينبت الشعر فيها حتى لحظة كتابة هذه السطور.

مذكرات زول ساي
أسامة جاب الدين

Eye on Ottawa Editorial

Eye on Ottawa publishes local news, community features and commentary about Ottawa. Publisher and editorial contact: Mubarak Gabaldein. This publication byline is overseen by the publisher; it does not imply a separate reporting team. Story tips and corrections: info@eyeonottawa.ca.

View All Post
Subscribe
Notify of
guest
3 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Mohamed Alhaj
Mohamed Alhaj
9 hours ago

Love it